
تحية حب و احترام للكائن السوداني المعروف باسم (الدكوة) تلك الزبدة التي تُستخرج من الفول السوداني بعد تحميصه وسحقه حتى يصير (دكوة) بهية اللون وشهية المذاق، وفي السنوات الأخيرة أصبح الفول يُطحن دون تحميص لكن النكهة والمذاق يبقى محبوباً لدى الجميع، وربما يكون الاسم مأخوذاً من مفردة (دكَّ) لأن الفول السوداني يُدك دكاً (لمن يجيب الزيت) مثله مثل أهل السودان الكادحين، والمصريون يقولون (الدُقّة) لبعض المكسرات المهروسة بشكل خفيف، وسبق أن تحدثنا عن إبدال (القاف) و(الكاف) في اللهجة المحلية و موضوع (الفتك والمتك) وقلنا ربما تكون (فتق و متق) واسترسلنا في أمرهما.
الفول السوداني نفسه يُعرف في بعض الدول العربية باسم (فستق العبيد) وهو اسم يحمل نغمة عنصرية باهتة، و هذا النبات أصله من المناطق الاستوائية، وجاء به الاستعمار إلى غرب إفريقيا ومن هناك انتشر واشتهر باسم (الفول السوداني).
أما في السودان فقد كان يُعرف في بعض المناطق باسم (فول الحاجات)، نسبة لقبائل الفلاتة التي اشتهرت نساؤها بتحميص الفول بطريقة مميزة، وكانت المرأة منهن تُعرف بـ(الحاجة) وجمعها (حاجات) فصار الاسم الشعبي (فول حاجات) و ربما ارتبطت الكلمة بالحج لأن هذه القبائل كانت تمر من غرب أفريقيا عبر السودان في طريقها إلى بيت الله الحرام عبر البحر الأحمر، و (دا ما موضوعنا).
أذكر أنه في أيام أزمة الغاز الطاحنة بعد ثورة ديسمبر المجيدة و (معظم أزمات السودان مصنوعة بأيادي السودانين أنفسهم) المهم.. قررت مع أسرتي الاستغناء التام عن النار!!! وقد يبدو الأمر مستحيلاً لكنه و بالتجربة العملية كان ممكناً بفضل الدكوة مع الموز والبلح، أذكر وقتها كتبت مقالًا بعنوان (أسبوع الدكوة) أو شيئاً من هذا القبيل إذ لم أتمكن لاحقاً من العثور على المقال.
ذلك الأسبوع كان تجربة مثيرة أكدت لي فعلاً أنه يمكن محاربة كثير من الأشياء والأحياء بقليل من الصبر والجلد كما فتحت تلك التجربة أمامي أبواباً كثيرة للتفكير في ازدواجية النار بين خيرها وشرورها، وهو أمر مرتبط بكل ما في الحياة من أشياء وأحياء.
و في ذلك الأسبوع كانت (الدكوة) سيدة الموقف بلا منازع، فهي في حياة السودانيين، خصوصًا الفقراء، النصير الصادق الذي يطفئ نار الجوع في الليالي القاسية.
(الدكوة) تدخل في كثير من الأطعمة، وأهمها وأكثرها التصاقاً بالذاكرة الشعبية (سلطة الدكوة) تلك الأكلة التي كتبت عنها مقالاً سابقاً بعنوان (الفروقات بين سلطة الدكوة وسلطة الفواكه) وهي فروقات رمزية بين أحوال الناس وطبقاتهم.
و من بعد (سلطة الدكوة) إذا توفرت النار تأتي (السخينة) وهي أكثر فقراً من سلطة الدكوة تعتمد على بقايا طماطم و بصلات و يد ماهرة و خبيرة مثل يد (عمتي رقية) فهي من الأيادي التي تصنع من الفسيخ شربات، يسخن الماء ثم تُذاب عليها الدكوة بطريقة فنية بعد (كتل البصلة) وما أدراك ما (كتل البصل) و قتل البطل في السودان !!!
أذكر مرة، في زيارة لدولة قطر أن (بنت عمتي) وزوجها دعواني إلى الطعام ببيتهم فاشترطت عليهم أن يكون الطبق الرئيسي الــ(Main Dish) هو (القُشاط بالسخينة) لأني أحب تلك الأكلة بشكل مدهش، وتذكّرني (بعمتي رقية) حفظها الله و أيامنا الجميلة معها و ببيتنا القديم و قد كان ما اردته، فقد جهزت (الهام) القشاط بالسخينة والشطة الخضراء بطريقة بديعة فتركت السفرة العامرة بكل أصناف الطعام و(ضربت السخينة ضرب الجن) كما نقول في دارجيتنا، وسط دهشة الجميع !!!
فبعض الأطعمة لا نحبها لمذاقها فقط، بل لارتباطها بالناس والأماكن التي نحبها واللحظات التي قضيناها مع هذه الأطعمة بين الأهل و الأحباب و شحنات الحب والخير و الجمال.
تدخل الدكوة كذلك في ملاح الروب بشكل جوهري، أما أيام (بيت العزابة) في الغربة فكنت أضع الدكوة على معظم (التبايخ)، خصوصاً البطاطس، فهي تضيف نكهة خاصة ومذاقاً لا يُقاوم.
ورغم أن الدكوة أنيس الفقراء ورفيقهم في أوقات الشدة، إلا أن علاقتها بكل الطبقات جيدة فهي تتمازج مع الفسيخ مثلاً في توليفة عجيبة، بالمناسبة الفسيخ في السودان يختلف كثيراً عن الفسيخ في مصر فأهل مصر لا يطبخون الفسيخ ولا علاقة له بالنار إطلاقاً فهو يُملح و يُخمر فقط وله نكهته الخاصة، أما عندنا فالنار (تنجضوا نجاض) مثل ما نحن عليه الآن ويغدو أشبه (بالسالونة) عند أهل الهند.
أما عمل الدكوة مع (لحوم الضلع الضأني) فحدث ولا حرج إذ تُخلط (الدكوة) مع الزبادي والبهارات لتُمسح بها قطع اللحم قبل أن تُوضع على زيت القلي فتُكون طبقة ذهبية لذيذة تُغري العين واللسان معاً ونفس الشيء مع الدجاج وغيره من اللحوم الأخرى.
أما عندما تختلط الدكوة مع (بابا غنوج) فذلك عالم آخر من الطعم!
أتذكّر في حلقة من برنامج (من سيربح المليون) حين كان المتسابق سودانياً، وجاءه سؤال سهل جداً (كما ظنوا) من تلك الأسئلة التي تكون في بداية الحلقة وتكون الإجابات مضمونة لكل متسابق إلا أن حظ ذلك السوداني كان السقوط من السؤال الأول في حالة نادرة جداً بالبرنامج فقد كانت الإجابة الصحيحة هي (بابا غنوج) لكنه لم يعرف الإجابة لأنه لا يعرف أصلاّ (بابا غنوج) ولا ادري لماذا افترضوا في الإعداد أن (بابا غنوج) يفترض أن يكون معلوماً لكل من نطق بالعربية فكانت سخرية الجمهور والمقدّم اللبناني في أوجها ظناً منهم أن السوداني لا يعرف تلك السلطة الشهيرة.. و للحقيقة أنا شخصياً كانت تلك المرة الأولى التي أعرف فيها أن (بابا غنوج) هو (سلطة الأسود) اللذيذة والشهيرة عندنا باسمها فمعظمنا لا يعرف (بابا ولا غنوج).
لكن المفارقة أن أغلبهم بدورهم لا يعرفون (أم تكشو) ولا (أم نارين)، فمن الذي يملك الحق في السخرية من ثقافة الآخر؟
احترموا ثقافة الآخر سادتي.. في ملبسهم ومشربهم ومأكلهم ولهجاتهم.
نختم بهذه النيران الصديقة ونعود إليكم في المقال القادم عن (نيران الصديق و العدو) و وقف إطلاق النار وازدواجية النار خيرها وشرورها، ولا للحرب و نعم لـ (أم نارين) وللسلام الذي لا يُشعل ناراً في البطن ولا في الوطن.



